أبي منصور الماتريدي

160

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فكأن قوله : « 1 » مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ إما في أرداف الكفرة وهو المتتابع ، تابع أهل بدر المشركين وهم منهزمون ، أو أن يكون الإرداف الإمداد فيكون ألفان . وقال بعض أهل التأويل : إن قوله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ هو رسول الله ، وذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم [ لما ] « 2 » رأى كثرة المشركين ببدر علم أنه لا قوة لهم إلا بالله ، فدعا ربه وتضرع « 3 » [ إليه ] « 4 » ، ولكن ذلك قولهم عندنا والله أعلم ، أعني قول المؤمنين ؛ ألا ترى أنه قال : إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ [ آل عمران : 124 ] بكذا والله أعلم بذلك ، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة ، سوى أن فيه البشارة لهم بالنصر والطمأنينة لقلوبهم وإنباء أن حقيقة النصر إنما يكون بالله لا بأحد سواه ، وذلك قوله : وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يذله شيء ولا يعجزه حَكِيمٌ في أمره ونهيه لا يأمر بشيء ولا ينهى عن شيء إلا وفيه حكمة ، وفائدة ما ذكر من بعث مدد ألف ملك وثلاثة آلاف ، وما ذكر لطمأنينة قلوب أولئك المؤمنين ، وإلا ملك واحد كاف لهم وإن كثروا لأنه يراهم ولا يرونه ، وإهلاك مثله سهل . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 11 إلى 14 ] إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ( 11 ) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ( 12 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 13 ) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ ( 14 ) وقوله - عزّ وجل - : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ذكر النعاس بعد شدة خوفهم ، والنعاس لا يكون ممن اشتد به الخوف ويغشيه إلا بعد الأمن ، فذكر لطفه ومنته الأمن بعد شدة الخوف ، ذكر عظيم ما من عليهم من الأمن لما ذكر من إلقاء النعاس عليهم والنعاس إنما يكون بعد الأمن ، بعد ما كان من حالهم ما ذكر حيث قال : كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ .

--> ( 1 ) زاد في ب : بألف . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 58 / 1763 ) ، وأحمد ( 1 / 30 ، 32 ) وعبد بن حميد ( 31 ) وأبو داود ( 2690 ) والترمذي ( 3081 ) ، والطبري ( 15747 ) ، والبزار ( 196 ) ، وابن حبان ( 4793 ) ، والبيهقي ( 6 / 321 ) ، وفي الدلائل ( 3 / 51 - 52 ) عن عمر ابن الخطاب . ( 4 ) سقط في أ .